|

20 ذو القعدة 1447 هـ

مسابقة السيرة النبوية | استمع في دقيقة وربع إلى: " الشرك الأصغر" للدكتور/ صالح بن مقبل العصيمي التميمي | يمكنكم الأن إرسال أسئلتكم وسيجيب عليها فضيلة الشيخ الدكتور صالح العصيمي

خُطْبَةُ: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ وَالتِّقْنِيَّةُ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالفِتْنَةِ. الخُطْبَةُ الأُولَى.

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ، وَتَوَعَّدَ مَن ظَلَمَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

  1. عِبادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ ما ابْتُلِيَ بِهِ النَّاسُ في هٰذا العَصْرِ بِالخَيْرِ وَالشَّرِّ هٰذِهِ الوَسائِلُ الحَديثَةُ؛ مِنْ وَسائِلِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ وَتِقْنِيَّاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ، فَهِيَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ إِنِ اسْتُعْمِلَتْ في طاعَةِ اللهِ، وَشَرٌّ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ إِنِ اسْتُعْمِلَتْ في مَعْصِيَتِهِ.
  2. إِنَّ هٰذِهِ الْوَسَائِلَ قَدْ سَخَّرَهَا اللهُ لَنَا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ اتَّخَذَهَا وَسَائِلَ بِنَاءٍ وَإِصْلَاحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَعَاوِلَ هَدْمٍ وَإِفْسَادٍ، فَهٰذِهِ الوَسَائِلُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا، وَيُسْأَلُ العَبْدُ عَنْهَا إِذَا اسْتَخْدَمَهَا يَوْمَ القِيَامَةِ: مَاذَا نَشَرَ؟ وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
  3. عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا بِأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ الحَذَرُ مِنْهُ: نَشْرُ الشَّائِعَاتِ، وَتَتَبُّعُ العَوْرَاتِ، وَالخَوْضُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، أَوْ إِثَارَةُ الفِتَنِ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ القُلُوبَ وَالمُجْتَمَعَاتِ، وَتُذْهِبُ الأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ.
  4. وَإِنَّ مِنْ أَضَرِّ الضَّرَرِ الإِضْرَارَ بِالبِلَادِ، وَخِدْمَةَ أَعْدَائِهِ، وَمُخَالَفَةَ تَوْجِيهَاتِ الجِهَاتِ المَسْؤُولَةِ الَّتِي تُحَذِّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ تَصْوِيرِ الأَحْدَاثِ وَالحَوَادِثِ وَالمَوَاقِعِ وَالآثَارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا؛ لِمَا فِيهَا خِدْمَةٌ لِلأَعْدَاءِ، وَتَخْوِيفٌ لِلنَّاسِ وَإِرْجَافٌ، وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ مِنْ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وَهٰذَا وَرَبِّي مِنَ الفَسَادِ وَالإِفْسَادِ.
  5. وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ عِبَادَهُ مِنَ الفَسَادِ وَالإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾.
  6. وَأَيُّ فَسَادٍ أَعْظَمُ مِنْ نَشْرِ الشَّائِعَاتِ، وَتَشْوِيهِ سُمْعَةِ عِبَادِ اللهِ، وَهَتْكِ عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ وَفَضْحِهِمْ، وَنَشْرِ الأَفْكَارِ الهَدَّامَةِ، وَأَقْوَالِ المُرْجِفِينَ وَالمُفْسِدِينَ مِنْ فَسَادِ مُسْتَخْدِمِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ بِالشَّرِّ.
  7. وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ إِذَا تَسَتَّرَ عَنِ النَّاسِ بِاسْمٍ وَهْمِيٍّ أَنَّ هٰذَا يَحْمِيهِ، فَلَا وَاللهِ لَا يَحْمِيهِ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا الآخِرَةِ، فَفِي الدُّنْيَا الجِهَاتُ المَسْؤُولَةُ تَمْلِكُ مِنَ القُدْرَاتِ ـ وَلِلَّهِ الحَمْدُ ـ وَالقُدْرَةَ عَلَى الوُصُولِ إِلَى هٰذَا المُجْرِمِ، وَلَوْ كَانَ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ.
  8. وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِعَذَابِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
  9. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فَاسْتَشْعِرُوا مُرَاقَبَةَ اللهِ فِي كُلِّ تَغْرِيدَةٍ، وَكُلِّ مَقْطَعٍ، وَكُلِّ كَلِمَةٍ تُكْتَبُ أَوْ تُقَالُ، فَإِنَّهَا إِمَّا لَكَ أَوْ عَلَيْكَ.
  10. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
  11. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
  12. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
  13. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.
  14. فَالْحَذَرَ الحَذَرَ - عِبَادَ اللهِ - مِنْ هٰذَا المَسْلَكِ الخَطِيرِ، حَوَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ إِلَى نِقْمَةٍ، وَوَظَّفُوهَا بِالشَّرِّ لَا بِالخَيْرِ!
  15. فَهِيَ سِلَاحٌ يُؤْجَرُ بِاسْتِخْدَامِهِ قَوْمٌ، ويُوزَرُ بِاسْتِخْدَامِهِ آخَرُون، حَيْثُ يَسْتَخْدِمُهَا بَعْضُ النَّاسِ فِي وَاجِبَاتٍ، أَوْ مُبَاحَاتٍ، ومُسْتَحَبَّاتٍ، وَيَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمُ اسْتِخْدَامَهَا فِي مَكْرُوهَاتٍ، أَوْ مُحَرَّمَاتٍ، وَمُوبِقَاتٍ، فَضْلًا عَمَّنْ يَسْتَخْدِمُهَا فِي أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ، مِنْ بَيْنِهَا:

أَوَّلًا: اسْتِفْزَازُ النَّاسِ وَإِثَارَتُهُم، حَتَّى يُدْفَعُهم إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ، أَوِ الْخُرُوجِ عَنْ طَوْرِ الرَّزَانَةِ وَالْهُدُوءِ، فَيُسِيئُوا إِلَى صَاحِبِ هَذِهِ التغريدة أو المقطع؛ فَيَسْتَغِلّ هَذَا الْأَمْرَ فِي ابْتِزَازِهِمْ وَمُسَاوَمَتِهِمْ، أَوْ فِي شِكَايَتِهِم، حَتَّى يُضطَرُّوا إِلَى مُصَالَحَتِهِ وَدَفْعِ الْأَمْوَالِ الطَّائِلَةِ له، حتى يَتَخَلَّصُوا مِنْ كَيْدِه وَمَكْرِهِ، وهذا معروفٌ ومشهور من أصحاب الأنفس الخبيثة، والنوايا الفاسدة.

ثانيًا: وَهُنَاكَ مَنْ يَسْتَغِلُّ وَسَائِلَ التواصل الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الْقَدْحِ فِي النَّاسِ وَتَشْوِيهِ سُمْعَتِهِمْ، وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ بِالْكَذِبِ وَمَا لَيْسَ فِيهْمْ، قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه؛ أسكنه اللهُ رَدْغَةَ الخَبالِ حتَّى يخرُجَ ممَّا قال"(رَوَاهُ أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ). فَكَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ ظُلِمَ وَافْتُرِيَ عَلَيْهِ، مِمَّنْ يَسْتَخِفُّونَ بِالنَّاسِ، وَلَا يَخَافُونَ مِنَ اللهِ، وَيَظُنُّونَ بِأَنَّ اللهَ غَافِلٌ عَنْهُمْ، قَالَ -تعالى-: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). وَالْأَشَدُّ وَالْأَنْكَى: الِافْتِرَاءُ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَفْرَادِ، أَوِ الْإِسَاءَةُ للدَّوْلَةِ وَأَجْهِزَتِهَا، وَتَرْوِيجُ الشَّائِعَاتِ عَنْهَا بِمَا لَا يَخْدمُ إلَّا الْأَعْدَاءَ.

ثالثًا: إِعَادَةُ نَشْرِ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالشَّائِعَاتِ، دُونَ إِنْعَامِ نَظَرٍ كَذِبًا، وَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "كَفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بِكُلِّ ما سمِعَ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

رابعًا: تَتَبُّعُ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَضْحُهُمْ، وَهَتْكُ أَعْرَاضِهِمْ، وَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه: لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم؛ فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه". رواه أبو داود بسند صحيح.

16. فَقَدْ أَمَرَهُ اللهُ بِالسِّتْرِ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يَسْتُرَهُ إِذَا سَتَرَ مُسْلِمًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا؛ سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، لَكِنَّهُ آثَرَ الفَضِيحَةَ عَلَى السِّتْرِ. اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

خُطْبَةُ: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ وَالتِّقْنِيَّةُ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالفِتْنَةِ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً. أمَّا بَعْدُ.. فَاِتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.

  1. عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التِّقَنيةِ الْحَدِيثَةِ: الذكاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ، الَّذِي أَصْبَحَ حَدِيثَ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ، فَجَعَلَهُ قَوْمٌ وَسِيلَةً لِلْبِنَاءِ وَالْإِصْلَاحِ، فَسَهُلَ مِنْ خِلَالِهِ الْوُصُولُ إِلَى أَبْوَابِ الْعِلْمِ عَلَى اخْتِلَافِ فُرُوعِهَا، وَمِنْ بَيْنِهَا الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ، وَالدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَاسْتَخْدَمَهُ آخَرُونَ فِي مَجَالَاتٍ تَنْفَعُ النَّاسَ كَالطِّبِّ، وَالْهَنْدَسَةِ، وَالْإِدَارَةِ، وَالْحَاسُوبِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَأَسْهَمُوا مِنْ خِلَالِهِ فِي تَطْوِيرِ الْأَنْظِمَةِ، كَمَا أَسْهَمُوا بِدَوْرٍ فَاعِلٍ فِي شُؤُونِ الْحَيَاةِ جَمِيعِها، وَرَبْطِ الْعَالِمِ بِالْعَالَمِ.
  2. وَلَكِنْ - مَعَ الْأَسَفِ - انْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ مَنِ اسْتَعْمَلَ تِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ  فِي نَشْرِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَى خَلْقِ اللهِ، وَالْأَدْهَى وَالْأَمَرُّ أَنْ يُزَوَّرَ فِي الْمَقَاطِعِ وَالصُّوَرِ، فَتُصَدَّرَ إِلَى النَّاسِ فَتَاوَى لِعُلَمَاءَ بِصُوَرِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، وَمَا قَالُوهَا قَطُّ، وَلَا أَفْتَوْا بِهَا، بَلْ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَا خِلَافِ ما يَقُولُونَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ.
  3. ثُمَّ يَأْتِي التَّزْوِيرُ مِنْ خَلَالِ اسْتِخْدَامِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، بالِافْتِرَاءِ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، حَيْثُ يُسْتَخْدَمُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ فِي قَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَتَشْوِيهِ سُمْعَةِ النَّاسِ، وَخِدَاعِهِمْ بِصُوَرٍ فَاضِحَةٍ لِأَخْلَاقِ النَّاسِ، فَيَدَّعُونَ بِهَذِهِ الصُّوَرِ الْكَاذِبَةِ أَنَّ هَذِهِ الْفَاحِشَةَ قَدِ ارْتَكَبَهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةٌ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهَا، وَمَا ارْتَكَبُوهَا، بَلْ قَدْ لَا يَعْلَمُونَ عَنْهَا حِينَمَا نُشِرَتْ شيئًا.
  4. فَكَمْ قُلِبَتْ مِنْ خِلَالِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ الْحَقَائِقُ، وَنُشِرَت الْمَعْلُومَاتُ الْمُضَلِّلَةُ، وَدُمِّرَتِ الْأُسَرُ، وَأُسْقِطَتِ الْبُيُوتُ الْعَالِيَةُ، وَأُضِرَّ بِالْأَبْرِيَاءِ، وَلُفِّقَتِ الْفَتَاوَى الْمَكْذُوبَةُ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَمَا عَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ سَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ، لَا تَخْفَى مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، قَالَ -تعالى: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).
  5. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ هٰذِهِ الوَسَائِلَ سَرِيعَةُ الِانْتِشَارِ، عَظِيمَةُ الأَثَرِ، فَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي إِثْمٍ جَارٍ عَلَيْكُمْ، وَاجْعَلُوهَا صَدَقَةً جَارِيَةً لَكُمْ.
  6. وَفِي المُقَابِلِ، اجْعَلُوا هٰذِهِ الوَسَائِلَ بَابًا لِلْخَيْرِ: لِنَشْرِ العِلْمِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ؛ فَإِنَّ الكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ قَدْ تَرْفَعُ صَاحِبَهَا دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللهِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَأَيِّدْهُمَا، وَاجْعَلْ عَلَى أَيْدِيهِمَا الخَيْرَ الكَثِيرَ لِلْبِلَادِ وَالعِبَادِ.

اللَّهُمَّ كن لبِلَادَنَا بِلَادُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْ اللهم، فَاحْفَظْهَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهَا بِعِنَايَتِكَ، وَاكْلَأْهَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا، وَعِزَّهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَلَامٍ وَإِسْلَامٍ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهَا بِلَادَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَهُدًى، وَدَارَ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، فَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.

اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا وَمُجَاهِدِينَا وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَاجْعَلِ النَّصْرَ حَلِيفَهُمْ، وَالتَّأْيِيدَ رَفِيقَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ. اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.

اللَّهُمَّ اخْذُلْ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّ الدِّينِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرُدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَأَضْعِفْ قُوَّتَهُمْ، وَأَبْطِلْ كَيْدَهُمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَأَكْلَأْنَا بِرِعَايَتِكَ، وَاحْطِنَا بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَامْدُدْ عَلَيْنَا سِتْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَصْلِحْ لَنَا النِّيَّةَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».

اللَّهُمَّ احْفَظِ الأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُمْ بِعِنَايَتِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمُؤَدِّي الزَّكَاةِ.

اللهم أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الدُّعَاءَ، وَاسْتَجِبْ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.