|

18 ذو الحجة 1447 هـ

مسابقة السيرة النبوية | استمع في دقيقة وربع إلى: " الشرك الأصغر" للدكتور/ صالح بن مقبل العصيمي التميمي | يمكنكم الأن إرسال أسئلتكم وسيجيب عليها فضيلة الشيخ الدكتور صالح العصيمي

خُطْبَةُ: عِظَمُ التَّحْمِيدِ لِلَّهِ. الْخُطْبَةُ الْأُولَى.

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ، وَتَوَعَّدَ مَن ظَلَمَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
1- «الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِمَا خَلَقْتَنَا وَرَزَقْتَنَا، وَهَدَيْتَنَا، وَعَلَّمْتَنَا، وَأَنْقَذْتَنَا، وَفَرَّجْتَ عَنَّا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى أَنْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا خَيْرَ الْأَنَامِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى نِعْمَةِ الْوُلَاةِ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى نِعْمَةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمْنَنَا، وَجَمَعْتَ فُرْقَتَنَا، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتَنَا، وَمِنْ كُلِّ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ، أَوْ سِرٍّ أَوْ عَلَانِيَةٍ، أَوْ خَاصَّةٍ أَوْ عَامَّةٍ، أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَإِذَا رَضِيتَ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
2- عِبَادَ اللَّهِ: اعْلَمُوا بِأَنَّ حَمْدَ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ، فَالْحَمْدُ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِنَ الْمَعَايِبِ وَالنَّقَائِصِ، وَتَعْظِيمٌ لَهُ، وَلِعِظَمِ صِفَةِ الْحَمْدِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ الْعَظِيمَ بِحَمْدِهِ - جَلَّ وَعَلَا -، وَجَعَلَهَا خَاتِمَةَ الْأُمُورِ، وَثَنَاءً عَلَيْهِ، وَشُكْرًا عَلَى النِّعَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
3- فَالْحَمْدُ مِنْ أَوْسَعُ الصِّفَاتِ، وَأَعَمُّ الْمَدَائِحِ، وَالطُّرُقُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ، وَالسُّبُلُ إِلَى اعْتِبَارِهِ فِي ذَرَّاتِ الْعَالَمِ وَجُزْئِيَّاتِهِ وَتَفَاصِيلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَاسِعَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، حَمْدٌ، وَصِفَاتُهُ حَمْدٌ، وَأَفْعَالُهُ حَمْدٌ، وَأَحْكَامُهُ حَمْدٌ، وَعَدْلُهُ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ حَمْدٌ، وَفَضْلُهُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ حَمْدٌ. وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إِنَّمَا قَامَا بِحَمْدِهِ، وَوُجِدَا بِحَمْدِهِ، وَظَهَرَا بِحَمْدِهِ، وَكَانَا لِغَايَةٍ هِيَ حَمْدُهُ، فَحَمْدُهُ سَبَبُ ذَلِكَ، وَغَايَتُهُ، وَمَظْهَرُهُ، وَحَامِلُهُ؛ فَحَمْدُهُ رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيَامُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِهِ. وَسَرَيَانُ حَمْدِهِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَظُهُورُ آثَارِهِ فِيهَا، أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ.
4- وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا حَيًّا جَامِعًا لِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ، وَاسْمٍ حَسَنٍ، وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ، وَفِعْلٍ كَرِيمٍ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ، وَالْمَشِيئَةُ النَّافِذَةُ، وَالْعِلْمُ الْمُحِيطُ، وَالسَّمْعُ الَّذِي وَسِعَ الْأَصْوَاتَ، وَالْبَصَرُ الَّذِي أَحَاطَ بِجَمِيعِ الْمُبْصَرَاتِ، وَالرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْمُلْكُ الْأَعْلَى الَّذِي لَا تَخْرُجُ عَنْهُ ذَرَّةٌ مِنَ الذَّرَّاتِ، وَالْغِنَى التَّامُّ الْمُطْلَقُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ الْمَشْهُودُ أَثَرُهَا فِي الْكَائِنَاتِ، وَالْعِزَّةُ الْعَالِيَةُ بِجَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ، وَالْكَلِمَاتُ التَّامَّاتُ النَّافِذَاتُ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ جَمِيعِ الْبَرِيَّاتِ.
5- فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَلَا فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا فِي حُقُوقِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ مُلْكِهِ، أَوْ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، أَوْ يَحْجُبُهُ عَنْ دَاعِيهِ وَمُؤَمِّلِيهِ وَسَائِلِيهِ، بِكَافَّةِ لُغَاتِهِمْ وَأَجْنَاسِهِمْ، إِنْسًا وَجِنًّا وَحَيَوَانًا، أَوْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بِتَلْبِيسٍ أَوْ فِرْيَةٍ أَوْ كَذِبٍ، كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّعَايَا وَبَيْنَ الْمُلُوكِ. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ نِظَامُ الْوُجُودِ، وَفَسَدَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ أُخْرَى - كَمَا يَقُولُهُ أَعْدَاؤُهُ الْمُبْطِلُونَ - لَوَقَعَ مِنَ النَّقْصِ فِي التَّدْبِيرِ، وَفَسَادِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، مَا لَا يَثْبُتُ مَعَهُ حَالٌ، وَلَا يَصْلُحُ مَعَهُ وُجُودٌ.
6- وَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا، وَمَا اسْتَوْجَبَ بِهِ حَمْدَ عِبَادِهِ لَهُ، أَنْ جَعَلَنَا عَبِيدًا لَهُ خَاصَّةً، وَلَمْ يَجْعَلْنَا نَهْبًا مُنْقَسِمِينَ بَيْنَ شُرَكَاءَ مُتَشَاكِسِينَ، وَلَمْ يَجْعَلْنَا عَبِيدًا لِإِلَهٍ نَحَتَتْهُ الْأَفْكَارُ، لَا يَسْمَعُ أَصْوَاتَنَا، وَلَا يُبْصِرُ أَفْعَالَنَا، وَلَا يَعْلَمُ أَحْوَالَنَا، وَلَا يَمْلِكُ لِعَابِدِيهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَلَا تَكَلَّمَ قَطُّ، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى، وَلَا تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي، وَلَا تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَلَا يُرْفَعُ إِلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
7- فَلَهُ الْحَمْدُ، وَالْمِنَّةُ، وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْنَا عَبِيدًا لِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ، فَلِلَّهِ الْعَظِيمِ أَعْظَمُ حَمْدٍ، وَأَتَمُّهُ، وَأَكْمَلُهُ، عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ.
8- وَالْإِقْرَارِ بِصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَإِقْرَارِ قُلُوبِنَا بِأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْجَلَالِ، مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهًا عَنْ أَضْدَادِهَا مِنَ النَّقَائِصِ وَالتَّشْبِيهِ وَالْمِثَالِ.
9- فَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي، لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي، لِكَمَالِ مُلْكِهِ، لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
10- وَالْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي لِكَمَالِ عِلْمِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِي الْخَلَائِقِ وَمَا خَلْفَهُمْ، فَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. يَعْلَمُ دَبِيبَ الْخَوَاطِرِ فِي الْقُلُوبِ، حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الملائكة الموكلون بمراقبة العباد، وَيَعْلَمُ مَا لم يكن لو يكن كيف يكون؟
11- وَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، الْبَصِيرُ الَّذِي، لِكَمَالِ بَصَرِهِ، يَرَى تَفَاصِيلَ خَلْقِ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ، وَأَعْضَاءَهَا، وَلَحْمَهَا، وَدَمَهَا، وَمُخَّهَا، وَعُرُوقَهَا، وَيَرَى دَبِيبَهَا عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَيَرَى مَا تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ كَمَا يَرَى مَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ.
12- وَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، السَّمِيعُ الَّذِي قَدِ اسْتَوَى عِنْدَهُ فِي سَمْعِهِ سِرُّ الْقَوْلِ وَجَهْرُهُ، وَوَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، فَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ أَصْوَاتُ الْخَلْقِ، وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَشْغَلُهُ مِنْهَا سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَرْضَى بِكَثْرَةِ سُؤَالِ السَّائِلِينَ.
13- قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ تَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ كَلَامِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
14- فَلَهُ الْحَمْدُ، الْقَدِيرُ الَّذِي، بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَمَا مَسَّهُ مِنْ لُغُوبٍ. وَلَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَفُوتُهُ، بَلْ هُوَ فِي قَبْضَتِهِ أَيْنَ كَانَ، وَإِنْ فَرَّ مِنْهُ فَإِنَّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ، كَمَا قِيلَ:

وَكَيْفَ يَفِرُّ الْمَرْءُ عَنْكَ بِذَنْبِهِ ... إِذَا كَانَ يَطْوِي فِي يَدَيْكَ الْمَرَاحِلَا؟

15- وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى شُمُولِ حَمْدِهِ لِخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ بِأَنْ حَمِدَ نَفْسَهُ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ وَآخِرِهِ، وَعِنْدَ الْأَمْرِ وَالشَّرْعِ؛ وَحَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعَالَمِينَ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَعَلَى حَيَاتِهِ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى امْتِنَاعِ اتِّصَافِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ مِنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ، وَمُوَالَاةِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ لِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى عُلُوِّهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

خُطْبَةُ: عِظَمُ التَّحْمِيدِ لِلَّهِ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً. أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
1- عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ حَمْدَ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَحَمْدًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْحَمْدِ
2- لَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَنْ سَرَيَانِ حَمْدِهِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَأَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؛ فَنَوَّعَ حَمْدَهُ وَأَسْبَابَ حَمْدِهِ، وَجَمَعَهَا تَارَةً، وَفَرَّقَهَا أُخْرَى؛ لِيَتَعَرَّفَ إِلَى عِبَادِهِ، وَيُعَرِّفَهُمْ كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَلِيَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَيُحِبَّهُمْ إِذَا عَرَفُوهُ، وَأَحَبُّوهُ، وَحَمِدُوهُ.
3- قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
4- وَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
5- وَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
6- وَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
7- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
8- وَقَالَ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
9- وَقَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
10- وَقَالَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.
11- عِبَادَ اللَّهِ: أَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِكُمْ وَأَوْقَاتِكُمْ، وَعَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ تُرْزَقُونَ بِهَا، وَعِنْدَ انْتِهَائِكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ تَلْهَجُ بِالْحَمْدِ، فَإِنَّ فِي حَمْدِ اللَّهِ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَأَيِّدْهُمَا، وَاجْعَلْ عَلَى أَيْدِيهِمَا الخَيْرَ الكَثِيرَ لِلْبِلَادِ وَالعِبَادِ.
اللَّهُمَّ كن لبِلَادَنَا بِلَادُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْ اللهم، فَاحْفَظْهَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهَا بِعِنَايَتِكَ، وَاكْلَأْهَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا، وَعِزَّهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَلَامٍ وَإِسْلَامٍ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهَا بِلَادَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَهُدًى، وَدَارَ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، فَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا وَمُجَاهِدِينَا وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَاجْعَلِ النَّصْرَ حَلِيفَهُمْ، وَالتَّأْيِيدَ رَفِيقَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ. اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.
اللَّهُمَّ اخْذُلْ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّ الدِّينِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرُدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَأَضْعِفْ قُوَّتَهُمْ، وَأَبْطِلْ كَيْدَهُمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَأَكْلَأْنَا بِرِعَايَتِكَ، وَاحْطِنَا بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَامْدُدْ عَلَيْنَا سِتْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَصْلِحْ لَنَا النِّيَّةَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».
اللَّهُمَّ احْفَظِ الأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُمْ بِعِنَايَتِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمُؤَدِّي الزَّكَاةِ.
اللهم أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الدُّعَاءَ، وَاسْتَجِبْ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.